محمد بن جرير الطبري
393
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
القول في تأويل قوله : { لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ( 162 ) } قال أبو جعفر : هذا من الله جل ثناؤه استثناء ، استثنَى من أهل الكتاب من اليهود الذين وصَف صفتهم في هذه الآيات التي مضت ، من قوله : " يسألك أهل الكتاب أن تُنزل عليهم كتابًا من السماء " . ثم قال جل ثناؤه لعباده ، مبينًا لهم حكم من قد هداه لدينه منهم ووفقه لرشده : ما كلُّ أهل الكتاب صفتهم الصفة التي وصفت لكم ، " لكن الراسخون في العلم منهم " ، وهم الذين قد رَسخوا في العلم بأحكام الله التي جاءت بها أنبياؤه ، وأتقنوا ذلك ، وعرفوا حقيقته . * * * وقد بينا معنى " الرسوخ في العلم " ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . ( 1 ) * * * = " والمؤمنون " يعني : والمؤمنون بالله ورسله ، هم يؤمنون بالقرآن الذي أنزل الله إليك ، يا محمد ، وبالكتب التي أنزلها على من قبلك من الأنبياء والرسل ، ولا يسألونك كما سألك هؤلاء الجهلة منهم : ( 2 ) أن تنزل عليهم كتابًا من السماء ، لأنهم قد علموا بما قرأوا من كتب الله وأتتهم به أنبياؤهم ، أنك لله رسول ، واجبٌ عليهم اتباعك ، لا يَسعهم غير ذلك ، فلا حاجة بهم إلى أن يسألوك آية معجزة ولا دلالة غير الذي قد علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم من إخبار أنبيائهم إياهم
--> ( 1 ) انظر تفسير " الراسخون في العلم " فيما سلف 6 : 201 - 208 . ( 2 ) في المطبوعة : " كما سأل هؤلاء " ، وأثبت ما في المخطوطة .